محمد راغب الطباخ الحلبي

52

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء

يحثونه على السرعة إليهم ليسلموا البلد إليه وأشاروا بترك سنجار ، فلم يقبل منهم ، وقام حتى ملك سنجار وسلمها إلى ابن أخيه الأكبر عماد الدين زنكي ، ثم سار إلى الموصل فأتى مدينة بلد وعبر دجلة في مخاضة عندها إلى الجانب الشرقي ، وسار فنزل شرقي الموصل على حصن نينوى ودجلة بينه وبين الموصل . إلى أن قال : وحصر نور الدين الموصل فلم يكن بينهم قتال ، وكان هوى كل من بالموصل من جندي وعامي معه لحسن سيرته وعدله ، وكاتبه الأمراء يعلمونه على الوثوب على عبد المسيح وتسليم البلد إليه ، فلما علم عبد المسيح ذلك راسله في تسليم البلد إليه وتقريره على سيف الدين ويطلب الأمان وإقطاعا يكون له ، فأجابه إلى ذلك وقال : لا سبيل إلى إبقائه بالموصل بل يكون عندي بالشام ، فإني لم آت لآخذ البلاد من أولادي وإنما جئت لأخلص الناس منك وأتولى أنا تربية أولادي فاستقرت القاعدة على ذلك وسلمت الموصل إليه ، فدخلها ثالث عشر جمادى الأولى وسكن القلعة وأقر سيف الدين غازي على الموصل وولى بقلعتها خادما يقال له سعد الدين كمشتكين وجعله دزدارا فيها ، وقسم جميع ما خلفه أخوه قطب الدين بين أولاده بمقتضى الفريضة . ولما كان يحاصر الموصل جاءته خلعة من الخليفة فلبسها ، فلما دخل الموصل خلعها على سيف الدين وأطلق المكوس جميعها من الموصل وسائر ما فتحه من البلاد وأمر ببناء الجامع النوري بالموصل ، فبني وأقيمت الصلاة فيه سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة . وأقام بالموصل نحو عشرين يوما وسار إلى الشام فقيل له : إنك تحب الموصل والمقام بها ونراك أسرعت العود ، فقال : قد تغير قلبي فيها فإن لم أفارقها ظلمت ، ويمنعني أيضا أنني هاهنا لا أكون مرابطا للعدو وملازما للجهاد . ثم أقطع نصيبين والخابور العساكر وأقطع جزيرة ابن عمر سيف الدين غازي ابن أخيه مع الموصل وعاد إلى الشام ومعه عبد المسيح فغير اسمه وسماه عبد اللّه وأقطعه إقطاعا كثيرا . ثم ساق في الروضتين ما ذكره العماد الكاتب في ملك نور الدين للموصل إلى أن قال : لما دخل الموصل جدد مناشير أهل المناصب وتوقيعات ذوي المراتب من القضاء والنقابة ، وغيرهما ، وأمر بإسقاط جميع المكوس والضرائب وأنشأ بذلك منشورا يقرأ على الناس فمنه : قد قنعنا من كنز الأموال باليسير من الحلال ، فسحقا للسحت ، ومحقا للحرام الحقيق بالمقت ، وبعدا لما يبعد من رضى الرب ويقصي من محل القرب ، وقد استخرنا اللّه